مؤلف مجهول

52

الإستبصار في عجايب الأمصار

فيقصه على من أمامه . فيقول له : إنك رأيت هذا في منامك وهو بشرى لك ، فلا تنثى عما أمرت به ويبشره بالمثوبة عليه ، ويرفع له خنجرا مسموما معدا عنده من حينه « 1 » . قال المؤلف فلما هلك الملك نقراوش المتقدم الذكر ، ملك بعده ابنه سورت . وكان موحدا مؤمنا . فغلق هياكل الكواكب فقل النيل في أيامه ، فرفضه بنو أبيه وخلعوه وملكوا أخاه الأصغر مصرام المتقدم الذكر . وكان جبارا فزاد في هياكل الكواكب ، واحتفل في شكرها وبر سدنتها وزاد في دخلها وقرابينها . وكان له ربّى فأمره أن يحتجب عن الناس ، وألقى على وجهه نورا حتى لم يتمكن أحد من النظر إليه ؛ وذلل له الأسد فركبها ، وادعى الإلهية ودعا الناس إلى عبادته ، وغاب عن الناس نحو 30 سنة . وركب في غيبته أنواعا من الدواب العظام من الوحوش والسباع لها منظر يهول . ومضى به ذلك الربّى حتى أوقفه على البحر الأسود ، فبنى في وسطه صنما من حجر أسود أبيض ، وزبر عليه اسمه وجعله قربانا للشمس ، وعمل قلعة الفضة التي في البحر الأسود وخبرها مشهور . ذكر ذلك الموس الكاهن في سير الملوك القدماء . وزبر على ذلك الصنم : « أنا مصرام الحبار جامع الأخبار وكاشف الأسرار والعالم القهار : وأظهرت الحكمة العجيبة وكشفت الأمور الغريبة ؛ ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة ليعلم من بعدى أنه لا ملك مثل ملكي » . وقيل إنه ركب في مدينة برسان شجرة تؤكل منها كل فاكهة ، وعمل عجائب وغرائب يطول وصفها « 2 » . فلما هلك مصرام ملك بعده من بنيه عدة ملوك ، كل واحد منهم يعمل في وقته عجائب وغرائب في البناء ، وغير ذلك من الطلسمات والصور والأصنام المركبة من الجواهر الغالية ؛ إلى أن ملك من بنيه شوندين بن سلمون صاحب الأهرام . وكان ملكا عاقلا عالما محبا للعلماء ، وكان أوتى من العلم والحكمة ما لم يسبقه إلى ذلك ملك ولا غيره ، وكان يتعهد من مصالح الرعية ما لم يتعهده سواه من الملوك ، وكان ينفق على الزمناء والضعفاء من ماله . واتخذ مرآة من أخلاط

--> ( 1 ) المقصود هنا بالحشيشية طوائف الإسماعيلية المعروفين أيضا بالحشاشين الذين كانوا على عهد الصليبيين يحتلون عددا من القلاع وخاصة بالشام ، والذين اشتهروا باغتيال خصومهم . والاسم مأخوذ من الحشيش الذي كانوا يستعملونه للوصول إلى حالة الذهول أو الانجذاب . أنظر دائرة المعارف الاسلامية . ( 2 ) أنظر ابن وصيف شاه ( العجائب ) ، الترجمة ، ص 181 ؛ قارن المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 130 ، 171 ؛ السيوطي ، حسن المحاضرة ، ج 1 ص 16 .